النويري

103

نهاية الأرب في فنون الأدب

ذكر وصية المنصور لابنه المهدى قال : ولما سار المنصور من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه « 1 » ، وأحضر المهدى وكان قد صحبه فوصّاه بالمال والسلطان ، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية ، فلما كان في اليوم الذي ارتحل فيه قال له : إني لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه ، وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة - وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره ، فقال للمهدى : انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به ، فإنّ فيه علم آبائك - ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة - فإن أهمّك أمر فانظر إلى الدفتر الكبير ، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا في الثاني والثالث حتى بلغ سبعة ، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة ، فإنك واجد فيها ما تريد ، وما أظنك تفعل ! واقطن « 2 » هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها ، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين لكفاك لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذريّة ومصلحة البعوث ، فاحتفظ به ، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا ، وما أظنك تفعل ! وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم ، وأن تحسن إليهم وتقدمهم ، وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر ، فإنّ عزّك في عزّهم وذكرهم لك ، وما أظنك تفعل ! وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم ، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك ، وما أظنك تفعل . ! وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك ، وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك ، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم ، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم ، وتخلف من مات منهم في أهله وولده ، وما أظنك تفعل !

--> « 1 » في المخطوطات : عبد ربه والتصويب عن الكامل لابن الأثير ج 5 ص 43 والطبري ج 6 ص 306 « 2 » هكذا في ف وفى الكامل ج 5 ص 43 والطبري ج 6 ص 342 والمخطوطة ص : وانظر . واخترنا ما في ف لاتفاقه مع الأسلوب .